السيد عباس علي الموسوي
384
شرح نهج البلاغة
عن رحمة آخرين وإكرامهم وهذا عكس الإنسان الذي لا يقدر على استيعاب هذه المعاني المختلفة . . . ( ولا تولهة رحمة عن عقاب ولا يجنه البطون عن الظهور ولا يقطعه الظهور عن البطون ) لا تتركه الرحمة مترددا مضطربا عن العقاب لأن الواحد منا إذا كثرت رحمته صعب عليه العقاب وتردد في ذلك نتيجة الحالة النفسية التي أعتادها من الرحمة أما اللّه فإنه يرحم ويعاقب في وقت واحد وهو قادر على جمع الأمرين معا . وكذلك لا يستره الخفاء الذي هو فيه عن الظهور للعيان ببصائر القلوب فهو في نفس الوقت الذي فيه باطن هو ظاهر ، باطن بالذات ظاهر لدى العقل والإيمان . . . ( قرب فنأى وعلا فدنا ) قرب إلينا حتى كان أقرب إلينا من حبل الوريد وبعد حتى كان أبعد ما يكون بحيث لا تراه العيون . . وقيل قرب فعلا ونأى ذاتا وهو عين المعنى الأول . وعلا بحوله وطوله وقوته ودنا بإحسانه وفضله ومننه . . . ( وظهر فبطن وبطن فعلن ) وهذا تأكيد للسابق فإنه ظهر بأفعاله وخفي بذاته واختفى بذاته فظهر بأفعاله أوان من ظهوره وشدته خفي ومن شدة خفائه ظهر . . . ( ودان ولم يدن ) قهر عباده بالموت والفناء وفي كل أمر ولم يقهره عباده بشيء أبدا . . . أو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . . أو تسلط على كل أحد ولم يتسلط عليه أحد . . . ( لم يذرأ الخلق باحتيال ولا استعان بهم لكلال ) لم يستعن على خلقه الخلق بواسطة أحد أو معونته بل خلقهم بحكمته وعلمه دون واسطة كما أنه لم يستعن بهم من أجل نصرته لأنه عاجز عن قهر الأعداء بل خلقهم من أجل أن يتكاملوا ومن أجل سعادتهم . . . وقيل أنه لم يخلقهم بمهارة ودقة كما هي الحال عند الناس فإنهم يفكرون ويجيلون النظر ثم يعملون واللّه سبحانه يقول للشيء كن فيكون ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك . كما أنه لم يخلق الخلق من أجل اعانته إذا أصابه أعياء أو تعب بل خلقهم وهو غني عنهم ، خلقهم ليتكاملوا ويعلوا . . . ( أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه فإنها الزمام والقوام ) عاد عليه السلام يوصي بتقوى اللّه وقد بين أنها المقود الذي يمنع الإنسان من التردي في الضلال والوقوع في